الخطيب الشربيني

338

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولما أمر الله تعالى باحترام نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن إيذاء نفسه وإيذاء رسوله بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ أي : الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله وَرَسُولَهُ أي : الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله تعالى ما لا يقدرون على القيام بشكره لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي : أبعدهم وأبغضهم فِي الدُّنْيا بالحمل على ما يوجب السخط وَالْآخِرَةِ بإدخال دار الإهانة كما قال تعالى : وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً [ الأحزاب : 57 ] أي : ذا إهانة ، وهو النار ومعنى يؤذون الله يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر ، ذلك ، حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه . قال ابن عباس : هم اليهود والنصارى والمشركون ، فأما اليهود فقالوا : عزير ابن الله ، وقالوا : يد الله مغلولة وقالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء ، وأما النصارى فقالوا : المسيح ابن الله وثالث ثلاثة ، وأما المشركون فقالوا : الملائكة بنات الله ، والأصنام شركاؤه ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول الله عز وجل : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد » « 1 » ، وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار » « 2 » معنى الحديث : أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يسبوا الدهر ويذموه عند النوازل لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال تعالى : أنا الدهر أي : الذي أحل بهم النوازل وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه للدهر في زعمكم وقيل : معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل : هم أصحاب التصاوير ، وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فيخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة » « 3 » ، ويحتمل أن يكون ذلك على حذف مضاف أي : أولياء الله كقوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف ، 82 ] قال صلّى اللّه عليه وسلم : « قال الله تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » « 4 » وقال : « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة » « 5 » ومعنى الأذى : هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم ، والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد قال بعضهم : أتي بالجلالة تعظيما والمراد : يؤذون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كقوله تعالى : إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] وأما إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فقال ابن عباس : إنه شج في وجهه ، وكسرت رباعيته وقيل : ساحر شاعر مجنون . ولما كان من أعظم أذاه أذى من تابعه ، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4482 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7491 ، ومسلم في الألفاظ حديث 2246 ، وأبو داود في الأدب حديث 5274 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7559 ، ومسلم في اللباس حديث 2111 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6502 . ( 5 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 102 ، 477 ، 9 / 440 ، والطبراني في المعجم الكبير 8 / 264 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 2 / 248 .